الجاحظ
35
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
الحصر من فوت درك الحاجة . والناس لا يعيرون الخرس ، ولا يلومون من استولى على بيانه العجز . وهم يذمون الحصر ، ويؤنبون العيّ ، فإن تكلفا مع ذلك مقامات الخطباء ، وتعاطيا مناظرة البلغاء ، تضاعف عليهما الذم وترادف عليهما التأنيب . ومماتنة العيّ الحصر للبليغ المصقع ، في سبيل مماتنة المنقطع المفحم للشاعر المفلق « 1 » ، وأحدهما ألوم من صاحبه ، والألسنة إليه أسرع . وليس اللجلاج « 2 » والتمتام ، والألثغ والفأفاء ، وذو الحبسة والحكلة « 3 » والرتة « 4 » وذو اللفف « 5 » والعجلة ، في سبيل الحصر في خطبته ، والعييّ في مناضلة خصومه ، كما أن سبيل المفحم عند الشعراء ، والبكي « 6 » عند الخطباء ، خلاف سبيل المسهب الثرثار ، والخطل المكثار . ثم اعلم - أبقاك اللّه - أن صاحب التشديق والتقعير « 7 » والتقعيب من الخطباء والبلغاء مع سماجة التكلف ، وشنعة التزيد ، أعذر من عييّ يتكلف الخطابة ، ومن حصر يتعرض لأهل الاعتياد والدربة . ومدار اللائمة ومستقر المذمة حيث رأيت بلاغة يخالطها التكلف ، وبيانا يمازجه التزيد . إلا أن تعاطي الحصر المنقوص مقام الدرب التام ، أقبح من تعاطي البليغ الخطيب ، ومن تشادق الأعرابي القح وانتحال المعروف ببعض الغزارة في المعاني والألفاظ ، وفي التحبير والارتجال ، إنه البحر الذي لا ينزح ، والغمر الذي لا يسبر ، أيسر من انتحال الحصر المنخوب إنه في مسلاخ « 8 » التام الموفر ، والجامع
--> ( 1 ) الشاعر المفلق : الشاعر المجيد المبدع . ( 2 ) اللجلاج : الذي يتصف بثقل اللسان ونقص الكلام . ( 3 ) الحكلة : كالعجمة ، عدم إبانة الكلام . ( 4 ) الرتة : العجلة في الكلام . ( 5 ) اللفف : البطء بالكلام . ( 6 ) البكيء : القليل الكلام . ( 7 ) التقعير : إخراج الكلام من قعر الفم ومثله التقعيب . ( 8 ) المنخوب : الجبان الضعيف القلب . والمسلاخ : الجلد .